القاضي عبد الجبار الهمذاني
363
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في بطلان القول بأن للتنزيل في القرآن تأويلا باطنا غير ظاهره على ما يحكى عن الباطنية اعلم . . أن الّذي قدّمناه - من أن الكلام إنما يدل بالمواضعة ، وأن المتكلم به إذا كان حكيما ، فلا بدّ متى تجرّد الكلام ، من أن يريد ما يقتضيه ظاهره ، وإلا كان ملبّسا أو معميا ، أو فاعلا فعلا قبيحا ؛ وأن هذه الطريقة تقتضى في جميع الكلام أن يدل على حدّ واحد - يبطل قول هؤلاء الجهال ، إذا ادّعوا لكتاب اللّه تعالى باطنا ؛ ولا فرق والحال ما ذكرناه ، بين من قال : له باطن ؛ وبين من قال : في كل الأدلة مثله ، بل في سائر المدركات ، حتى يجعل للفرق بين الأسود والأبيض باطنا ، هو الّذي يعتمد دون ظاهر ما يدرك ؛ وقد حكى ذلك عن قوم من الأوائل ، لأنهم زعموا : أنه ينطبع في النفس مثل المدركات ، فيعرفه المدرك ؛ فإذا لم يصح ذلك ، فكذلك القول فيما ذكروه ؛ على أن هذه الطبقة خارجة عن حدّ من يناظر ويكلم ؛ لأنها تبنى أمرها على طريق الحيل ، وإنما تقع المناظرة من أهل الديانات ، دون من يجعل ما يبتدئه ويعيده مبنيا على الخديعة والاستشكال ، والتوصل إلى استباحة المحظور ، ويرى أن المذاهب كلها واحدة ، وأن الواجب أن يظهر لكل فرقة ما يتقرّب به إليها ، ولا ينفر بالمخالفة إلى سائر ما يحكى عنهم ؛ ولو بنوا الأمر على طريقة النظر لما أقدموا على هذا القول ، مع وضوح فساده ؛ ولكنهم توصلوا بذلك إلى الاحتيال على الناس ، فقالوا : إن القرآن له ظاهر وباطن ، وتنزيل وتأويل ؛ وإن الأثر قد ورد بأن